لآثار الإيمانية
هذا الاسم على تنزيه الله تعالى أن يكون في ولاية أحد له ما يقتضي الذل، قال تعالى ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء 111]، قال الحسن بن الفضل: يعني لم يذل فيحتاج إلى ولي ولا ناصر لعزته وكبريائه.
ولاية الله تعالى لعباده كسبية وليست وهبية: -
أي يكتسبها المؤمن بالعمل الصالح؛ يقول تعالى ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:127]، فلا تُنال الولاية إلا بالإيمان الصادق والعلم الراسخ والعمل المتواصل الثابت والاهتداء بهدي الله تعالى؛ فهي ليست هبةً بلا سبب كما يعتقد بعض أهل الجهل والمغالاة؛ حيث نسبوا الولايةَ للمجانين والفسقة والظلمة والزنادقة من أهل وحدة الوجود والاتحاد بمجرد حصول بعض الخوارق والشَّعْوذات الشيطانية على أيديهم؛ كالدخول في النار وحمل الأفاعي وغيرها؛ فتعالى الله عما يقولون.
يقتضي هذان الاسمان استشعار ولاية الله تعالى للكون ولسائر المخلوقات، فهو المدبِّر والمتصرف والقائم بشؤونهم جميعاً، ولا قيامَ لأحدٍ في هذا الكون إلا بولايته سبحانه وتعالى.
المؤمن يستشعر ولاية خاصة من الله تعالى جزاء إيمانه به وطاعته له جلَّ وعلا، كما يقتضي هذان الاسمان موالاة الله تعالى، بمعنى محبته والاعتزاز به ونصرة شريعته، وينبني على ذلك موالاة أوليائه الصالحين ومعاداة الكافرين وأعداء الدين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا... ﴾ [المائدة ٥٥]، وقال تعالى: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ ﴾ [آل عمران:٢٨]، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعلِّم الصحابة ويربيهم على مقتضى هذين الاسمين، من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه: « أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة يوم أحد حينما قال لهم أبو سفيان: ألا لنا العُزّى ولا عُزّى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أجيبوه))، قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: ((الله مولانا ولا مولى لكم)).
نتعبد الله تعالى بهذا الاسم من خلال:
أن توسل لله تعالى بهذا الاسم الكريم، كما دعا يوسف عليه السلام الدعاء: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف 101].
وكما دعا موسى عليه السلام: ﴿أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف 155]
ومن دعاء المؤمنين أن يتولاهم الله بولايته: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة 286].
ومن دعاء النبي متوسلاً بهذا الاسم ما رواه عن أنس رضي الله عنه قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يا ولي الإسلام وأهله مسكني بالإسلام – وفي رواية ثبتني - حتى ألقاك عليه".
وما رواه زيد بن أرقم: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم وعذاب القبر، وفتنة الدجال، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها".
وعن الحسن بن علي قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر:" اللهم اهدنا فيما هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت".
تعظيم الله تعالى وتعبيد الأسامي لله بهذا الاسم وذكره بهذا الاسم وخصوصًا عند وجود مقتضاه، والثناء على الله به ﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال 40].
القيام بما يقتضيه هذا الاسم ومن ذلك:
الازدياد من الإيمان وتوقية جانبه في النفوس، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴾ [محمد 11].
الإكثار من العمل الصالح ليدخل في ولاية الله: ﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام 127]
وفي حديث الولي الذي رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه يقول الله تعالى: ""من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، وإن استعاذني لأعيذنه"" أي يحفظه ويسدده في جوارحه ويتولاه بمعيته الخاصة.
الاعتصام بأمر الله ولزوم شرعه:
قال تعالى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج 78].
قال ابن القيم رحمه الله: أي متى اعتصمتم به تولاكم ونصركم على أنفسكم وعلى الشيطان، وهما العدوان اللذان لا يفارقان العبد، وعداوتهما أضر من عداوة العدو الخارج، فالنصر على هذا العدو أهم، والعبد إليه أحوج، وكمال النصرة على العدو بحسب كمال الاعتصام بالله.
من اتخذ الله وليا حصلت له منافع دنيوية وأخروية، فيستشعر:
الطمأنينة والراحة النفسية؛ لأنه ممن تولاه الله، ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة 51].
ويثق بروح الله ونصره للمؤمنين، مع تداهم الكروب، ﴿ إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران 122]
ألا يخاف من أعداء الله مهما كان عددهم وعدتهم، ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران 175].
فليحذر من أراد أن يتخذ الله وليا أن: -
أن يتبع غير منهاج الله ويعتز بغير شرعه، قال تعالى: ﴿ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ [البقرة 120].
يتولى أعداء الدين فيحبهم وينصرهم على المؤمنين، ﴿ لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران 120].
يصر على السيئات ولا يحدث للذنوب توبة، ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا﴾ النساء 123]
التخلق بأخلاق الولاية لكل مؤمن: -
فنتولى أولياء الله، وعلى قدر ولاية العبد لله تكون ولايتنا له، كما قال تعالى ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة 55]، وتكون لهم المحبة والأخوة والنصرة للمؤمنين حيثما كانوا، ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء 75].
وفي المقابل فإن المؤمن يتبرأ من كل الولاءات لغير لله ويتبرأ من كل الروابط إذا خالفت الدين:
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [التوبة 23]، وفي الحديث المتفق عليه عن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها ببلالها
محاولة تقوية أمر التوحيد في نفوسنا: -
أن نقوي أمر توحيد الله في أنفسنا وأن نعظم مقام إفراد الله عز وجل بالتوجه والوجهة، ومن هنا تتقرر جوانب لتقوية التوحيد والإيمان بالله من خلال هذا الاسم تتمثل في عدة جوانب، فيخاف المؤمن أن يتولاه غير مولاه وخالقه فيهلك ويخسر دنياه وأخراه، ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام 51].
فدلائل ولاية الله وتوليه لعباده في نفس المؤمن وفيما يرى في ملكوت سبحانه كثيرة تزيد إيمانه وتوليه لربه وكفره بمن سواه، ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد 16].
إذا تأمل العبد في اسم الله الولي المولى؛ قاده ذلك إلى توحيد الله في الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، وبيان ذلك على النحو الآتي:
دلالة اسم الله "الْمَوْلَى" و "الوَلِيّ" على توحيد الربوبية:
اسم الله "الوَلِيّ" و "الْمَوْلَى" يتضمن الولاية لجميع الخلق بأفراد الربوبية خلقًا، ورزقًا، وتدبيرًا، وحفظًا، وإجابةً للدعاء، ونفعًا، وضرًّا، وإحياءً وإماتة ونحو ذلك، قال تَعَالَى: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى٢٨].
وهذا دال على فقر المخلوقات عن جلب هذه الأفراد لنفسها أو غيرها، وبالتالي وحدانية الله ﷻ وتفرده بالربوبية، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].
دلالة اسم الله دلالة اسم الله "الْمَوْلَى" و "الوَلِيّ" على توحيد الألوهية:
اسم الله الولي المولى يدل على أن العالم العلوي والسفلي ومن فيه من المخلوقات، كله تحت ولايته وتصريفه وتدبيره، وبالتالي جميع هذه المخلوقات فقيرة ضعيفة عاجزة، فلا خلق بيدها ولا نفع ولا ضر ولا رزق، بل ولا حتى الشفاعة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر٣]، ومن كان كذلك فهل يصح في عقل أو نقل أن يُتخذ وليًّا من دون الله يعبد؟! أو يتخذ شريكًا وندًّا للولي المولى؟!
قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [الرعد:١٦ٍ]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤]، وقال تَعَالَى مبينًا أنه الولي الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى٩] [ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ١٩٣)، وتفسير السعدي (ص: ٢٥١ و ص: ٧٥٣(.
دلالة اسم الله (الولي، المولى) على توحيد الأسماء الصفات:
اسم الله "الْمَوْلَى" و "الوَلِيّ" يقتضي أن يكون سُبْحَانَهُ حيًّا، مالكًا، قادرًا، قويًّا، عليمًا، سميعًا، بصيرًا، خالقًا، رازقًا، حفيظًا، قيومًا، نصيرًا ونحو ذلك؛ إذ لا يتصور في المخلوقات- فضلًا عن الخالق- ولي ميت، عاجز، أعمى، أصم، أبكم، جاهل، لا يملك حولًا ولا قوة.
ويدل على هذا: ما جاء من آيات اقترن فيها هذا الاسم الكريم بأسمائه الأخرى أو صفاته، كقوله سُبْحَانَهُ: : ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى٩]، وقوله سُبْحَانَهُ ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال ٤٠]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨].
فإذا علم العبد هذا أقر بهذه الأسماء الكريمة والصفات العلية التي يقتضيها اسم الله "الوَلِيّ " و " الْمَوْلَى " ، على وجه لا تحريف ولا تعطيل ولا تكيف ولا تمثيل معه؛ امتثالًا لقوله سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
الثقة بنصر الله الوَلِيّ الْمَوْلَى لأوليائه، والتوكل عليه، وحسن الظن به
إن اسمي الله الوَلِيّ الْمَوْلَى، وما فيه من ولاية الله لأهل الإيمان بالنصر والتمكين والغلبة على الأعداء؛ يثمر في قلب المؤمن الثقة بنصره والاطمئنان لوعده، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء:٤٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾[آل عمران:١٥٠]، وقال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]
ويثمر هذا- أيضًا- اليقين بذهاب أعداء الله وإن ظهروا في وقت ما لحكمة، فنهايتهم إلى ذهاب؛ لأنهم مقطوعو الصلة بالله الوَلِيّ الْمَوْلَى ، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١].
ولما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم، قال النبي ﷺ للصحابة: ((أَجِيبُوهُ))، قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: ((قُولُوا: اللهُ مَوْلَانَا، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ((
محبة الله الولي المولى سُبْحَانَهُ:
إن اسما الوَلِيّ و الْمَوْلَى يدفعان العبد المستشعر لمعناهما إلى محبة الله جل في علاه؛ وبيان ذلك:
أن الإنسان إذا تولاه أحد من البشر فكفاه حاجته، وأحسن إليه بالطعام والسقاء والإواء، وحماه من أعدائه؛ أحبه وشعر بفضله عليه، مع أن هذا البشر إنما تولاه لحاجة ومطلب في نفسه دنيوي أو أخروي، وولايته لا تنفك عن النقص والخلل.
فإذا كان هذا هو الحال، فكيف لا يحب من هو ولي أمورنا كلها المتكفل بها جميعها، وكيف لا يُحَبُّ من هو ولي النعم كلها، وولي إحسان الخلق كافة، فما أحسن مخلوق لمخلوق ولا تولى مخلوق مخلوقا إلا بتولي الله وتسخيره له؟!
وكل ذلك مع تمام غناه عنا، فلا هو محتاج إلينا فيتولى، ولا مفتقر إلينا فينعم، وإنما هو محض فضل منه سُبْحَانَهُ ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٧].
ثم إذا تأمل العبد في ولايته ﷻ؛ وجدها في غاية الكمال والجمال، مبنية على علم تام، وحكمة بالغة، ورحمة واسعة، وعدل لا ظلم معه، أفلا يكون ﷻ أحق بالمحبة وأولى؟!
موالاة أولياء الله والحذر من معادتهم
إذا علم العبد اسم الله الولي المولى وما يقتضيه من اتخاذ الله ﷻ أولياء، يحبهم وينصرهم، ويعادي من عادهم، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: »»»مَنْ عَادَى لي وليًّا، فَقَدْ آذنتُهُ بالحَرْبِ«««)).
قاده ذلك إلى مولاة من وال الله ومحبتهم ونصرتهم، والتبرؤ من أعداء الله وبغضهم، قال تَعَالَى: ﱡ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة:٥٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﱡ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١]، وقال تَعَالَى في الموقف من أعدائه: ﱡ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﱡ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]، وقال السعدي: "فأداة الحصر في قوله تَعَالَى ﱡ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٥٥] تدل على أنه يجب قصر الولاية على المذكورين، والتبري من ولاية غيرهم. [تفسير السعدي ص: ٢٣٦]
وهذا من مقتضيات عقيدة التوحيد، القائمة على الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين.
قال ابن رجب: "وأولياء الله تجب موالاتهم، وتحرم معاداتهم، كما أن أعداءه تجب معاداتهم، وتحرم موالاتهم، قال تَعَالَى: ﱡ لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:]، وقال تَعَالَى ﱡ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥-٥٦]. [جامع العلوم والحكم٢/ ٣٣٤]
كما يقوده إلى الحذر الشديد من معادة أولياء الله، لا سيما وأن الله ﷻ قال في الحديث القدسي: »»»مَنْ عَادَى لِي وَليًّا، فَقَدْ آذنتُهُ بِالحَرْبِ«««.
ومعناه: أعلمته أني محارب له، حيث كان محاربًا لي بمعاداة أوليائي؛ ولهذا جاء في حديث عائشة: ((فَقَدِ اسْتَحَلَّ مُحَارَبَتِي)).
وعن معاذ بن جبل، سمع النبي ﷺ يقول: ((وَإِنَّ مَنْ عَادَى للهِ وَلِيًّا، فَقَدْ بَارَزَ اللهَ بالمُحَارَبَةِ))، وغاية هذه المحاربة: الهلاك [ينظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب ٢/ ٣٣٤]
قال الشوكاني ﵀: «قال ابن هبيرة: ويستفاد من هذا الحديث: تقديم الإعذار على الإنذار، قلت: ووجهه: أنه لما قدم معاداة من هو بهذه الصفة من الولاية لله، فكأنه أعذر إلى كل سامع أن من هذا شأنه لا ينبغي أن يعادى، بل على كل من عرف أن هذه صفته، أن يواليه ويحبه، فإذا لم يفعل فقد أعذر الله إليه، ونبهه على أن من عادى يستحق العقوبة البالغة على عداوته، فقال- منذرًا له-: فقد آذنته بالحرب على ما صنع مع ولي. [ولاية الله والطريق إليها، للشوكاني ص: ٣٤٤]
[الأثر السابع: دعاء الله باسميه الوَلِيّ و الْمَوْلَى
إن اسم الولي المولى يدعو العبد إلى دعاء ربه والتوسل إليه بهذا الاسم الكريم، لا سيما وأن الأنبياء الذين هم قدوة الخلق ﱡ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] دعوا ربهم به؛ فهذا يوسف يدعو ربه قائلًا: ﱡ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]
وهذا موسى وصالحو قومه يدعون: ﱡ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]
وهذا رسول الله ﷺ يدعو قائلًا: ((يا وَليَّ الإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، مَسِّكْنِي بِهِ حَتَّى أَلْقَاكَ((
وهذا دعاء المؤمنين الذي أخبر الله عنه: ﱡ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦].
كما يدعو العبد- أيضًا- إلى سؤال الله ولايته ومقتضياتها من الهداية والثبات، والنصر والرحمة والمغفرة، وإصلاح الأمر الديني والدنيوي كله، من غير أن يكل العبد إلى نفسه طرفة عين.
فاللهمَّ يا ولي الإسلام وأهله، مسِّكنا به حتى نلقاك، وأصلح لنا شأننا
كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.